في مستهل زيارته للجزائر وتونس، وهي الزيارة الأولى له خارج أوروبا منذ انتخابه رئيساً لفرنسا أعلن الرئيس نيكولاي ساركوزي أنه يسعى إلى عقد مؤتمر لرؤساء الدول المتوسطية في النصف الأول من العام المقبل لإطلاق مشروع "الاتحاد المتوسطي"، اللافت للانتباه بهذا الخصوص ثلاثة أمور.
أولها: أن الاعلان جاء في مؤتمر صحافي عقده ساركوزي بحضور الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، لكن ساركوزي تفرد بالحديث في هذا المؤتمر من دون أي مشاركة من الرئيس الجزائري، رغم ما أعلن من أن الرئاسة الفرنسية كانت قد أعطت تعليمات للصحافيين المرافقين بالامتناع عن توجيه أي أسئلة للرئيس بوتفليقة، الأمر الذي يثير بعض الاستفسارات حول تعمد بوتفليقة عدم الحديث في هذا المؤتمر الصحافي، وهل هذا الامتناع عن الحديث له علاقة ما بمشروع ساركوزي للاتحاد المتوسطي، وأن الجزائر غير متحمسة للفكرة على ضوء التوترات الراهنة في العلاقات مع المغرب بسبب ما هو مثار حالياً من تطورات تخص القضية الصحراوية.
ثانيها: أن دعوة ساركوزي لهذا الاتحاد تركز على قضيتين رئيسيتين جامعتين لدول شمال وجنوب البحر المتوسط هما: البيئة والأمن، وبتحديد محاربة الإرهاب من دون تركيز على القضايا الاقتصادية، وهي ركيزة أي مشروع اتحاد ناجح حسب ما تؤكده تجربة الاتحاد الأوروبي. فالتكامل والاندماج الاقتصادي هو القاطرة الأساسية لأي مشروع اتحادي أو وحدوي. وعندما يجيء مشروع ساركوزي للاتحاد المتوسطي خالياً من التركيز على المسائل الاقتصادية وأولوياتها فإنه يدفع إلى التشكيك في جدية النوايا الفرنسية، وبالتحديد في مسألة "الاتحاد" هذه ويحولها إلى مجرد فكرة للتعاون الأمني، وإلزام دول جنوب المتوسط بالتزامات أمنية لحماية أمن دول شمال المتوسط.
ثالثها: ان الدعوة لا تقتصر على دول شمال المتوسط ودول المغرب العربي على غرار مجموعة (5+5) التي لم تجتمع منذ أواخر عام 2003 وتضم بلدان الحوض الغربي للمتوسط، ولكنها تتطلع إلى ضم دول شرق المتوسط وجنوبه الشرقي أيضا أي مصر ولبنان وسوريا و"إسرائيل" والأهم هو تركيا التي تعمد الرئيس ساركوزي أن يذكرها بالاسم في وقت يحارب فيه الفرنسيون مع دول أوروبية أخرى طموحات تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
هل دعوة تركيا للانضمام إلى هذا الاتحاد هي بمثابة تعويض لها عن إبعادها عن الاتحاد الأوروبي من خلال توظيفها كدولة "قائدة" في الإطار المتوسطي. السؤال مهم لأن ساركوزي يضع مشروعه للاتحاد المتوسطي في مواجهة المشروع الأمريكي بمسمياته المختلفة، سواء كان "الشرق الأوسط الكبير" الذي تأكد فشله مع انكشاف العجز الأمريكي في العراق، أو "الشرق الأوسط الجديد" الذي جاء كمحاولة بديلة لانقاذ المشروع الأمريكي في الشرق الأوسط والعالم.
ساركوزي كان قد أعلن أنه "آن الأوان لإنشاء اتحاد في المتوسط لمجابهة المنافسة الأمريكية والآسيوية المتناميتين في المنطقة". كما أوضح أن مشروعه المتوسطي يهدف إلى جمع الشعوب المتوسطية لبناء السلام، والتطور عبر اتحاد يبنى بالطريقة التي بنى بها الأوروبيون الاتحاد الأوروبي، وأن المشروع يهدف إلى جعل المتوسط البحر الأكثر نظافة في العالم، وإعادة السلام والأمن إلى ضفافه، وأن يسود حوار الثقافات والسلام والازدهار الاقتصادي بدل المواجهة بين الشرق والغرب.
هذه الأهداف "النبيلة" كيف ستتفاعل مع المشروع الأمريكي في الشرق الأوسط، ومع الدور المتنامي لحلف شمال الأطلسي، وما انعكاساتها على الدور الفرنسي والالتزامات الفرنسية في القارة الأوروبية عموماً وداخل الاتحاد الأوروبي خاصة، وبالذات محور باريس برلين الذي ظل يمثل العمود الفقري للاتحاد الأوروبي في مواجهة السياسة البريطانية "المارقة" الموالية للأمريكيين؟
بوضوح أكثر أين يريد أن يأخذ ساركوزي فرنسا؟ هل يريدها خارج الاتحاد الأوروبي وخارج حلف الأطلسي؟ هل يمكن أن يمثل مشروع الاتحاد المتوسطي بديلاً لفرنسا تعلن به عن نفسها كقوة عالمية منافسة؟
الأسئلة المهمة كثيرة لكن هناك أسئلة أخرى يمكن أن تضع طموحات ساركوزي في حجمها الطبيعي، وتتعلق بالفرص المحدودة لدمج دول جنوب المتوسط مع بعضها. فالاتحاد المغاربي متعثر، والمشاكل مع ليبيا مازالت لها امتداداتها، والصراع العربي "الإسرائيلي" لم يحل، وليست هناك فرص حقيقية لدمج العرب و"الإسرائيليين" دون حل للمشكلة الفلسطينية. أما إذا أخذنا العقبتين الأمريكية والتركية في الاعتبار فإن اتحاد ساركوزي سيتضاءل إلى مجرد حلم سياسي أو "أبهة سياسية".
من اخر مواضيع العضو:
aburami
*
شيخ الأزهر يجدد فتواه بإباحة الفوائد البنكية والمضاربة في البورصة*
موقع هام و مفيد جدا جدا لكافة دول الخليج