***
عُـيّن ساركوزي وزيراً للداخلية واعتُـبر الرجل الثاني بعد رئيس الوزراء { جان بيير رافاران }...
لعبت زوجته { سيسيليا } دوراً كبيراً بإدارة أعمال زوجها داخل الوزارة، دون معرفة موقفها من أفكاره المتطرفة...
كانت قصة الزوجين، الحبيبين يوماً والمتخاصمين آخر، تملأ صفحات الجرائد وأخبار الشاشات...
***
في هذا الجو الملائم له، بدأت حملة ساركوزي تأخذ وجوهاً متعدّدة، معظمها مستوحاة من أفكار اليميني المتطرف لوبن :
* أطلق تصريحات قوية ضد التمويل الخارجي للمسلمين في فرنسا وطالب بالاعتراف بإسلام على الطريقة الفرنسية...
* طالب بحرية اختيار المسلم لدين آخر، وأعلن تأييده لنشر الرسوم الساخرة من الرسول الكريم محمد (ص)...
* قام بحملة ضد ختان البنات وتعدد الزوجات في فرنسا...
* أعلن أن للاستعمار مزايا وحسنات وحاول مع نوّابه التصديق على مرسوم بهذا الصّدد، لكنه فشل. وككل رؤساء فرنسا، رفض الاعتذار للجزائر عن الفترة الاستعمارية القذرة التي مارسها الفرنسيون في بلد الثورات، الخ.
* شجّع على تشكيل لجنة لمنع { كل } الرموز الدّينية في المدارس وفي مؤسسات الدولة وكان من أكثر المتحمّسين لهذا المنع والذي أُطلق عليه اسم { منع الحجاب الإسلامي }، ونجح بالتصديق عليه من قبل أكثريته البرلمانية...
* قمع بقسوة بوليسية وكلامية كل التظاهرات المنبثقة من ضواحي باريس المجهولة، الفقيرة والمأهولة بمغاربيين وأفارقة...
* رفض بحسم، ومازال يرفض تسوية كاملة للمهاجرين غير الشرعيين المعروفين بـ{ بدون أوراق }...
* لم يساهم بالحملة ضد حرب أمريكا القذرة على العراق ولكنه لم يُـؤيدها علناً، لغيرته من السّمعة العالمية التي كسبها غريـمـه{ دوفيلبان }، ولعدم رغبته بإعلان توافق كامل مع مُنافسه شيراك، المرشح المحتمل لحقبة رئاسية ثالثة...
* كرّر، في خضمّ هذه الحرب الأمريكية ضد العراق، إعلان صداقته وإعجابه بأمريكا وطريقة العيش فيها ونـيّـته إقامة علاقات أطلسية دائمة أيّاً كانت الظروف، مضيفاً بحنكة وتحايُـل أن الصّداقة لا تمنع النقد واختلاف الرّؤى. ناهيك عن تصريحاته المتعددة حول تعلّقه بإسرائيل وآل إسرائيل وحبه وصداقته لها والدفاع عن أمنها وسلامتها...
***
ولكن في نفس الوقت، وبذكاء ودهاء وتحايل وخبث :
* نجح ساركوزي بتشجيع المسلمين لانتخاب ممثلين عنهم للتباحث مع الحكومة باسم كل المسلمين، واليوم يوجد فعلاً هيئة إسلامية معترف بها من الدولة الفرنسية...
* أعطى للّـقاء مع مسؤولي الجمعيات الإسلامية وبحضور كثيف من المسلمين أهمية كبرى، مخاطباً الجميع بلغة " الصداقة والصراحة والحسم ! "...
* منح الحوار مع المثقفين المسلمين مكانة حقيقية حين حاور المثقف ذا الأصل المصري { طارق رمضان } على شاشة التلفزيون وفي أهم برنامج سياسي. على فكرة، طارق رمضان هذا، يُعتبر من أشهر المثقفين المسلمين، لجودة حواره ولحب مُهاجري الضواحي الفقيرة له...
* زار بعض العواصم العربية وعاد بحجج وبراهين تدعم مواقفه. استُـقبل من أحد مشايخ الأزهر في مصر الذي أبلغه أن على المسلمة أن تتلاءم مع واقع المجتمع الذي تعيش فيه، مُـفتياً أن الحجاب ليس ضرورياً في بلد كفرنسا. عاد من تونس ليؤكد أن الحجاب ممنوع في المدارس التونسية. وكان يعرف أنه ممنوع في بلد إسلامي آخر، في تركيا، الخ.
***
للتذكير، بدأ ساركوزي حملته الرئاسية بُـعد تعيينه وزيراً، وذلك حين سأله أحد كبار الصحفيين إن كان يُـفكّـر بالرئاسة حين يحلق ذقنه صباحاً، مُجيباً : { لا أفكر بالرئاسة حين أحلق ذقني فـقـط ... }.
وهكذا بدأ الفرنسيون يهتمون بمسيرة من يشكّون بانتخابه كرئيس للجمهورية. مصدر هذا الشك يكمن بمشاكله مع زوجته التي تركته لخمسة أشهر، لتعيش مع شخص آخر في أمريكا، خاصّة وكان قد عُيّن وزيراً للاقتصاد لمدة سنة ليحلّ مكانه دومينيك دوفيلبان في وزارة الداخلية...
***
في السنة 2005 عُـيّن{ دومينيك دوفيلبان } رئيساً للوزراء وتمّ تشكيل الحكومة، وإذ بساركوزي يعود لوزارة الداخلية حاملاً من جديد لقب الشخصية الثانية بعد رئيس الوزراء. بدأ بتصريحات تحـدّ لشيراك ودوفيلبان، لأنه أفلح بجمع أكثرية ساحقة من الحزب الحاكم { اتحاد الحركة الشعبية } التي منحته القوة السياسية التي كان يحتاج إليها تجاه شيراك ودوفبلبان من جهة، والقوة المعنوية تجاه حبه الفاشل وعلاقته المُـفكّكة مع زوجته الهاربة، من جهة أخرى.
خلال سنة ونيف لم يتوقف ساركوزي يوماً عن تحدي الآخرين من السياسيين والمثقفين والقاطنين في ضواحي باريس البائسة. أعلن إعلامياً ترشيحه لرئاسة الجمهورية متأكّداً أن شيراك لن يُرشّح نفسه بسبب مشاكله مع القضاء الذي أنزل شعبيته إلى الحضيض. استغل الشارع المعارض لـ دوفيلبان فيما يتعلق بعقد عمل رفضه الفرنسيون وأبدى تفهمه للمعارضين. اكتشف قضية بنكية تتعلق بأموال طائلة مودعة في مصرف في لوكسمبورغ، ذُكر بها اسمه خطاً، فطلب التحقيق مع شخصيات عديدة ومنها دوفيلبان المرشح بديلاً لشيراك. ترك كل رفاقه الطموحين على حافة الطريق وبقي وحيداً ليعلن ترشيحه الرسمي بداية 2007، بعد أن تمكّـن بحنكة من تجميد قضية { سيسيليا } وتأجيلها لما بعد الانتخابات.
بدأ ساركوزي حملته الانتخابية بشراسة وعنف، بقناعة وصراحة، بوعود لا حصر لها، أهمها إقامة اتحاد متوسطي ! جرت الحملة الانتخابية، ثم انتخابات الدورين الأول والثاني وفاز نيكولا ساركوزي، ليصبح الرئيس السادس للجمهورية الخامسة الفرنسية (1).
***
لم تصاحبه زوجته { سيسيليا } في كل تجمعاته. لم تـقم بدورها المدني لعدم مشاركتها بالانتخاب. لهذا يُعتبر ساركوزي أول رئيس فرنسي يبدأ حقبته برفقة زوجة متمردة، ذات شخصية قوية وحريصة على التمتع بحريتها الفردية.
قـبلت مساعدة { زوجها ؟ } بتحقيق آخر صفقة زواج بينهما، حين زارت ليبيا وساهمت شخصياً لا رسمياً، بإطلاق سراح الطبيب الفلسطيني والممرضات البلغاريات، بينما رفضت مرافقته لزيارات رسمية للولايات المتحدة والمغرب.
وأخيراً غابت عن عينيّ من كان زوجها وعن أعين الفرنسيين لتنعم بحريتها بعيدة عن عدسات المصورين ولتحقق ما ترغبه من عيش هادئ، بعيدة عن الشهرة المؤلمة وعن الخداع والخبث والدّهاء، كصفات أساسية لكل سياسي يطمح بمناصب عليا في الدولة. أرغمت سيسيليا زوجها ساركوزي بقبول الطلاق، وهذا ما حصل.
يعيش ساركوزي الآن مع عارضه الأزياء والمطربة السابقة { كلارا بروني } الايطالية.
***
كل ما ذكر عن ساركوزي يثير الاضطراب عن شخصية كهذه. وسؤال يطرح نفسه :
أكان وما يزال نيكولا ساركوزي متحايلاً أم داهية ؟ أ سيلعب دوراً في منطقتنا ولكن أي دور ؟ التاريخ وحده سيكشف ذلك !
***