مصيدة السيولة” أو “السيولة المصيدة”؟







هل نحن في مصيدة السيولة التي اشار اليها التحليل الكينزي قبل منتصف القرن الماضي أم أننا في ما يمكن أن يدعى ب “السيولة المصيدة” في زمن بلغت فيه الرأسمالية مبلغا من التوحش لا يكتفى فيه بالانقضاض على الفرائس بل افتراس الذات والذريات؟



ألقى التحليل الكينزي، حينها، بعض الظلال من الشك على أدوات السياسة النقدية التقليدية وعلى جدوى تلك الأدوات في محاولتها تحقيق ثبات الأسعار في ظل التوظف الكامل، كان ذلك عندما كان التحليل الاقتصادي مازال يستند الى أصول وقواعد الاقتصاد الرأسمالي التقليدي التي يعد معها سعر الفائدة من أدوات السياسة النقدية، لم ينكر التحليل الكينزي، من حيث المبدأ، اثر سعر الفائدة في السياسة النقدية ولكنه كان يشير الى احتمال فقدان سعر الفائدة أثره في بعض الحالات كالانكماش او الرواج الشديدين (مصيدة السيولة



“trape de liquidite la”) عندما تصبح قرارات الاستثمار متوقفة على توقعات رجال الأعمال وتقديراتهم أكثر منها على سعر الفائدة، ونبّه ذلك التحليل الى خطورة عامل المضاربة الذي يسهم في التأثير في الطلب على النقود بدافع تفضيل السيولة وذلك مع النظر الى الأصول المالية الأخرى كالأسهم والسندات باعتبارها كالنقود، وبذلك ألقى التحليل الكينزي ظلالا من الشك يومها على سعر الفائدة كأداة من أدوات السياسة النقدية .



وعكست بعض ملامح الأزمة المالية العالمية منذ ما قبل افتضاح أزمة القروض العقارية في الولايات المتحدة الأمريكية صدق التحليل الكينزي عندما حاولت السلطات النقدية أن تعالج بوادر الأزمة بخفض أسعار الفائدة من دون جدوى لأن الأزمة لم تكن ناجمة عن ذروة تضخم أو عن قاع انكماش بسيطين بل كانت تعكس خليطا مركبا من تضخم وانكماش متلازمين قادت اليهما المغالاة غير المسبوقة في المضاربات المقترنة بشكل غريب من “الفلتان التنظيمي” المنظم والمموه بكم هائل من دعوات الشفافية ومؤتمرات الحوكمة وندوات التنمية المستدامة توحشت معه فنون المضاربة مستغلة حرية حركة الأموال لينتقل ذلك التوحش من صعيد السوق أو المجتمع او مجموعة محدودة من الأسواق أو المجتمعات وينتشر على مستوى وصعيد العالم كله بعدما وفرت حريّة انتقال الأموال النقدية عولمة ظاهرة “الديناصورات النقدية” وأنبتت لها أجنحة تطير بها من سوق لآخر وتخترق أجواء الدول والمجتمعات من دون استئذان .



ان الأوضاع والظواهر النقدية والاقتصادية المعقدة لو أن كينز نفسه عاد أمامها للحياة لهجر التحليل الاقتصادي مؤكدا أن ما جرى خلال العقد السابق من الزمن وظهرت نتائجه وآثاره خلال العامين السابقين في العالم لا يمت للاقتصاد الذي عرفه وبنى عليه نظرياته بصلة .



الم يكن الاقتصاد العالمي يشكو في منتصف هذا العام من “الخطر النقدي” ممثلا في كتل السيولة التي أحصيت بالتريليونات والتي تجاوزت حاجات الانتاج والتبادل العالمي ضاربة عرض الحائط بما جاء به الفكر الاقتصادي التقليدي عن دور ومهام النقود كوسيط تبادل وكمخزن مؤقت للقيم وكمقياس للثروة الحقيقية؟



كيف اذا ينقلب ذلك “الخطر النقدي” ممثلا في تلك التريليونات تجتاز الحدود وتتراكم حرة طليقة كيفما تشاء ومتى تشاء كيف ينقلب ذلك الخطر بين فجر وضحاه الى شح وأزمة في السيولة؟



أليست حركة النقد في العالم مع حرية انتقاله تشبه الى حد كبير حركة الماء في الأواني المستطرقة المغلقة (منعا للتبخر) بمعنى أن أي انخفاض يطرأ على مستواه في آنية لابد أن يكون قد اقترن بارتفاع في مستواه في آنية أخرى؟ وأليست أواني النقد هي المؤسسات المالية وخزائن الأغنياء وجيوب متوسطي الحال فاذا كان النقد غير قابل للتبخر فأين ذهبت اذا تريليونات النقد وأشباه النقد التي كانت تمثل قبل عهد قريب لب الأزمة النقدية بل الاقتصادية العالمية؟



ما سر عجز السيول مع متانة المراكز المالية وتضاعف الأرباح كما تحاول أن تظهرها البيانات المالية المنشورة؟ هل كانت أرباحا غير حقيقية وزيادات في الموجودات نتجت عن عمليات تقييم غير سليمة؟ ما دور وحجم مسؤولية “مراقبة الحسابات”؟ وما دور وموقف المعايير الدولية وغير الدولية للمحاسبة؟



هل تشير الأزمة الى استثمارات خارجية في موجودات تدنت قيمها وتعذر تسييلها؟ وهل كان ذلك التدني طبيعيا أم مدلسا؟



وهل ساهمت حركة اقراض واسعة لغير المقيمين استخدمت في مضاربات في الأسواق المحلية جنى منها المضاربون غير المقيمين أرباحا آنية كبيرة خرجوا بها في تفاقم الأزمة؟



ويستمر في الالحاح قبل كل ذلك التساؤل، المستند الى حقيقة الأواني المستطرقة، ومؤداه: اذا كان هنا وهناك أزمة في السيولة أي عجز فيها فأين اذاً ذهبت الزيادات في السيولة المقابلة لهذا العجز وفقا لتلك الحقيقة؟



تساؤلات مهمة لكنها ستبقى من دون اجابة فيما يبدو حيث لا يمكن لتحليل لا يبنى على احصاءات وتقديرات سليمة أن يجيب عنها، ناهيك عما يمكن أن يتوصل اليه تحليل يبنى على بيانات مموهة وتقارير مشوهة أو ممعنة في غيها تبدو وكأنها تشير بأصابع اتهام تحاول أن تخفي ارتعاشاً تجنيها بعبارات منمقة عن مسؤولية مدخرات صينية وهندية وارتفاع مستوى معيشة بين فقراء الهند والصين، وثراء انتقل الى أسواق أخرى في جنوب شرق آسيا على المحيط الهندي .



اشارات لم تعد تخدع الكثيرين بعد أن ضيع ما ينشر من احصاءات وتقارير وبيانات، الثقة فيها مع ما يكتنف العالم من صراع مادي تحت شعار السوق المفتوحة وحرية التجارة وانتقال رؤوس الأموال وقوى السوق حتى يكاد يصدق القول ان متطلبات الشفافية والحوكمة وأمثالها ليست الا ذرا للرماد في العيون واخفاء لتصرفات غاية في السرية والتمويه تمارسه القوى المتحكمة في الاقتصاد العالمي .



انه لمن المتعذر اليوم الركون الى تحليل مفيد في معية التعتيم على الحقائق وغيبة الاحصاءات السليمة والدقيقة حتى وان صدر بعضها عن الهيئات الدولية المختصة، بل ان متابعة تلك البيانات والتقارير الدولية ربما أوقعت المتابع “الموضوعي” في متاهة أكبر من تلك التي قد يدخل فيها ان صرف النظر عن مثل تلك المتابعة .



وسيبقى صغار المستثمرين يبحثون عن استثمارات تستخدم فيها المدخرات لا القروض ولا الهوامش ولا البيع والشراء على المكشوف، وعن ودائع اسلامية تشارك في النتائج الحقيقية قبل الصكوك، وعن عوائد وأرباح تغطي معدلات التضخم ولا تقف عند مستوى ال 2 4%، وعن مؤشرات تستمد من نتائج ومراكز مالية حقيقية للشركات والمنشآت .



وسيبقى العالم نهبا “للسيولة المصيدة” تفرخها “ديناصورات الكتل النقدية” في “مكنات تفريخ” تدعى الأسواق المالية ومؤسساتها ما بقي العالم متفرجا على الذين ينفخون في بالون النظام العالمي القائم نظام “الفوضى المنظمة” وهي “فوضى خلاقة” أخرى، اقتصادية، و”خلاقة” لمن ابتدعها .







* باحث في شؤون المال والاقتصاد


ارباب